من ورط العراق بعقد الغاز الإيراني؟
كريم الجميلي وقاسم الفهداوي.. 7 سنوات حاسمة في تاريخ منظومة الطاقة

كلف استيراد الغاز الإيراني العراق ميزانية تقدر بنحو 15 مليار دولار لاستيراد ما يقارب 52 مليار متر مكعب بعقد لا يزال سارياً حتى عام 2029، بمعدلات ضخ تصل إلى 50 مليون متر مكعب يومياً، وفقاً للعقد الذي تم تجديده العام الماضي لمدة خمس سنوات إضافية.
ورغم تعهد الحكومات العراقية المتعاقبة بوقف حرق الغاز المصاحب واستثماره في توفير الطاقة، وتوقيع عقود مع شركات عالمية كـ سيمنس، جنرال إلكتريك، توتال، ولوك أويل، إلا أن هذه المشاريع لم تتحقق على أرض الواقع سوى في إطار التصريحات الصحفية والمؤتمرات الترويجية، دون خطوات فعلية ملموسة.
بدائل ضائعة: لماذا لم يستثمر العراق في الغاز المصاحب؟
بحسب خبراء الطاقة، كان العراق قادراً على الاستغناء تماماً عن الغاز الإيراني عبر بناء ست محطات كبيرة لاستثمار الغاز المصاحب، بكلفة تقدر بما بين 10 إلى 12 مليار دولار، وخلال مدة إنجاز تتراوح بين 4 إلى 6 سنوات.
لو تم توقيع عقود إنشاء هذه المحطات في 2013، وهو العام الذي شهد توقيع عقد استيراد الغاز الإيراني، لكان العراق قد استغنى عن الاستيراد تماماً بحلول 2019، مما كان سيوفر مليارات الدولارات ويسهم في تحقيق اكتفاء ذاتي من الغاز لتشغيل محطات الكهرباء.
عقود الغاز: من المسؤول عن التوقيع وما الثمن؟
في أعقاب موجة احتجاجات غاضبة بسبب تدهور قطاع الكهرباء في 2011، أقال رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي وزير الكهرباء رعد شلال بعد فضيحة توقيع عقود بقيمة 1.7 مليار دولار مع شركات وهمية. خلفه في المنصب كريم عفتان الجميلي، مرشح القائمة العراقية المدعومة حينها من خميس الخنجر.
في 2013، وقع الجميلي مع وزير النفط الإيراني عقد استيراد الغاز لتشغيل محطات في بغداد وديالى، بقيمة 4 مليارات دولار ولمدة أربع سنوات، مع خطة لاحقة لتوسيع الاتفاق إلى محطات البصرة.
بعده، عزز قاسم الفهداوي الاتفاق بإبرام اتفاقية جديدة، وساهم في إزالة العقبات أمام مد خطوط الأنابيب، بل وطالب الحكومة العراقية بدفع ديون الغاز الإيراني وزيادة كميات الاستيراد.
الغاز الإيراني يخنق كهرباء العراق
ومع تكرار انهيار منظومة الطاقة الكهربائية في العراق وتصاعد الاحتجاجات ضد حكومة العبادي أصدر الأخير قرارا بإقالة الفهداوي في تموز 2018 ليحل محله عدة وزراء لم يستمروا في المنصب لأقل من عامين وهم كل من لؤي الخطيب (2018-2020) وماجد حنتوش (2020-2021) وعادل كريم (2021-2022).
مع استمرار تعثر قطاع الطاقة، انهارت منظومة الكهرباء مراراً، لا سيما بعد تراجع إمدادات الغاز الإيراني، مما أدى إلى تقليص ساعات التجهيز إلى 6 ساعات أو أقل في بعض المدن.
في 2024، وقع وزير الكهرباء زياد علي فاضل اتفاقية جديدة لاستيراد الغاز الإيراني لمدة خمس سنوات، بمعدلات ضخ تصل إلى 50 مليون متر مكعب يومياً، لدعم محطات إنتاج الكهرباء. لكن عودة ترامب إلى البيت الأبيض أدت إلى إنهاء الإعفاءات الأمريكية التي سمحت للعراق باستيراد الغاز الإيراني، مما يضع العراق أمام أزمة طاقة جديدة.
من يحاسب المتورطين في الفساد؟
رغم المطالبات المتكررة بمحاسبة المسؤولين عن انهيار منظومة الكهرباء وهدر مليارات الدولارات خلال أكثر من 20 عاماً، إلا أن الوزراء المتورطين في هذه الملفات ظلوا بمنأى عن المساءلة. بل شارك بعضهم في الانتخابات التشريعية، مثل كريم عفتان وقاسم الفهداوي، اللذين أصبحا نائبين في البرلمان عام 2018، ولا يزالان يشاركان في المشهد السياسي.
يرى خبراء أن العراق يمتلك موارد نفطية ضخمة، لكن استمرار أزمته الكهربائية يعود إلى إرادة دولية وأطراف محلية متنفذة تسعى لإبقاء القطاع في حالة احتضار، بما يسمح بمواصلة استنزاف ميزانيته عبر شركات أجنبية، بينما تستفيد بعض الشركات المحلية من الأوضاع المتردية عبر بيع الكهرباء بأسعار مرتفعة للمواطنين.
إلى أين يتجه العراق في ملف الطاقة؟
مع استمرار العراق في دفع مليارات الدولارات لاستيراد الغاز، وغياب خطط فعلية لاستثمار موارده المحلية، يظل ملف الطاقة في العراق رهينة للمتغيرات السياسية الإقليمية والدولية، مما يعيد فتح التساؤلات حول مستقبل قطاع الكهرباء وقدرة الحكومة على تحقيق الاستقلال الطاقوي في السنوات القادمة.