فورين افيرز: إيران تنهب العراق
واشنطن بحاجة لـ"دبلوماسية" صارمة مع العراق وليس لـ"تدخل عسكري"

كشف تقرير لمجلة “foreign affairs” الأمريكية عن تراجع كبير في الموقف العراقي الداعم لإيران في مواجهة الضغوط والتهديدات التي تمارسها واشنطن ضد بغداد، داعيا الإدارة الأمريكية لاستغلال الموقف وحرمان إيران من التمويل العراقي لخزائنها ونشاطاتها في المنطقة.
وبحسب المجلة الأمريكية فأن إيران ومنذ ثورتها عام 1979، عملت إيران على بناء شبكة من الوكلاء والحلفاء في جميع أنحاء الشرق الأوسط. ولسنوات، أثبتت هذه الاستراتيجية نجاحها، إذ اكتسب “محور المقاومة” الذي تقوده طهران نفوذًا في العراق ولبنان وسوريا واليمن
لكن الأحداث خلال العام الماضي قلبت النظام الإقليمي رأسًا على عقب. فاليوم، فقدت إيران السيطرة إلى حد كبير على اثنين من تلك العواصم الأربع. حيث دمرت الحرب في لبنان حزب الله، وفي ديسمبر، استولت قوات سنية مدعومة من تركيا على دمشق من نظام الأسد، الحليف الإيراني الذي كان يسيطر على سوريا لنصف قرن. الآن، تخشى إيران أن يتكرر السيناريو في العراق.
وتقول المجلة الأمريكية أن أتباع طهران في العراق بدأوا يشعرون بالقلق. فالميليشيات المدعومة من إيران غيّرت مسارها ولم تشن أي هجوم على المصالح الأمريكية منذ أوائل ديسمبر في إشارة إلى أنها باتت أكثر خوفًا من جذب انتباه واشنطن.
وتضيف: أن السياسيين العراقيين أكثر حرصًا من المعتاد على استرضاء الولايات المتحدة. إذ تقود الحكومة العراقية رئيس الوزراء محمد شياع السوداني وإطاره التنسيقي، وهو تحالف مرتبط بشكل وثيق بإيران. لكن فريق السوداني قدَّم ثلاث تنازلات للمسؤولين الأميركيين في أواخر يناير: إلغاء مذكرة اعتقال ضد الرئيس الأميركي دونالد ترامب على خلفية أمره بقتل إرهابيين في بغداد خلال إدارته السابقة؛ والموافقة على إطلاق سراح الباحثة في جامعة برينستون إليزابيث تسوركوف، المحتجزة لدى ميليشيا كتائب حزب الله المدعومة من إيران؛ وتمرير تعديل مهم في الميزانية طالما سعى إليه الأكراد العراقيون، وهم الفئة الأكثر ارتباطًا بترامب في المجتمع العراقي. وتشير هذه التنازلات إلى أن حلفاء إيران في العراق يشعرون بالضعف.
كما ودعت “فورين افيرز” في تقريرها واشنطن استغلال هذه اللحظة لتقليل النفوذ الإيراني في العراق بشكل دائم، ليس من خلال عمل عسكري واسع النطاق، بل عبر دبلوماسية صارمة، والتهديد بفرض عقوبات، وعمليات استخباراتية. من شأن هذه الإجراءات أن تحرم إيران من مصدر تمويل حيوي، وتمنح الولايات المتحدة نفوذًا في أي مفاوضات مع قادة النظام الإيراني. والأهم من ذلك، أنها ستؤدي إلى تحسين الحكم للعراقيين الذين عانوا طويلًا تحت الهيمنة الإيرانية.
وتصف المجلة الأمريكية العراق بأنه يمثل لإيران “البقرة الحلوب” حيث تحاول طهران التمسك بالعراق، جزئيًا لأنه مصدر دخل هائل للجمهورية الإسلامية. فكما نهبت شركة الهند الشرقية البريطانية ثروات الهند لتمويل الإمبراطورية البريطانية، فإن الحرس الثوري الإيراني وجناحه الخارجي، فيلق القدس، يفعلان الشيء نفسه اليوم في العراق. إذ يُعَد العراق خامس أكبر منتج للنفط في العالم ولا يخضع لعقوبات دولية على صادراته النفطية، على عكس إيران ووكلائها. نتيجة لذلك، يستطيع الحرس الثوري والجماعات المتربطة به في العراق ولبنان واليمن جميعهم الثراء من خلال امتصاص الاقتصاد العراقي. على سبيل المثال، تتجنب إيران العقوبات عن طريق تهريب نفطها إلى المياه العراقية، حيث يُعاد تصنيفه كنفط عراقي ليُصدَّر إلى الأسواق العالمية. كما تسرق الميليشيات المدعومة من إيران النفط العراقي مباشرة من الآبار أو من خلال شركات وهمية تحصل على الوقود المدعوم من الحكومة بشكل غير قانوني.
وبحسب “فورين افيرز” الأمريكية فأن الحرس الثوري الإيراني يتمتع بامتيازات كبيرة في الاقتصاد العراقي، سواء من التمويل الحكومي أو السياحة الدينية، واستيراد الأدوية، والنقل، والاتصالات، والصناعات العسكرية فضلا عن شركات عراقية تعمل بالشراكة مع شركات صينية وأخرى يديرها الحرس الثوري الإيراني، كما وتستفيد من عقود النفط والبناء التي تمنحها الحكومة العراقية.
ويقول التقرير الأمريكي أن حاجة إيران للعراق أصبحت أكبر من أي وقت مضى. فالحكومة الإيرانية تحت ضغط مالي هائل، حيث ينهار الريال الإيراني وتزداد أسعار السلع الأساسية يوميًا. بين يناير 2024 ويناير 2025، فقد الريال الإيراني 62٪ من قيمته، وبلغ متوسط التضخم 32٪. لذلك، فإن نهب العراق هو أحد الوسائل القليلة التي تمكن إيران من تأمين السيولة اللازمة لتوفير الخدمات الأساسية لشعبها، وفي الوقت نفسه ضمان أن تكلفة أنشطتها المزعزعة للاستقرار في الشرق الأوسط تقع على كاهل العراقيين وليس الإيرانيين.
كما وأتهمت المجلة الأمريكية طهران بأنها لطالما كانت بارعة في التلاعب بالانتخابات العراقية. ففي 2018، كانت وراء وصول عادل عبد المهدي إلى رئاسة الوزراء. كما تمكنت من التلاعب بتشكيل الحكومة في 2021، رغم أن الفصائل المدعومة من إيران خسرت الانتخابات بفارق كبير.
“فورين افيرز” قالت في تقريرها المطول إنه ولوقف هذه السيطرة، يجب على واشنطن مواجهة النفوذ الإيراني مباشرة. وعوضًا عن دعم رؤساء وزراء موالين لإيران بدافع الخوف من الفوضى، ينبغي للولايات المتحدة تغيير سياستها مع اقتراب انتخابات 2025، ورفض دعوة السوداني إلى البيت الأبيض لإرسال إشارة واضحة بأنه لا يحظى بدعم واشنطن، كما أضافت انه ولضمان عدم خضوع القادة العراقيين للإملاءات الإيرانية، يجب على الولايات المتحدة فرض خطوط حمراء واضحة، وعزل النخب التي تتعاون مع طهران، وفرض عقوبات على أصولهم. كما ينبغي أن تستغل النفوذ المتبقي لديها لتعزيز المفاوضات النووية مع إيران عبر تهديد مصالحها في العراق، ما قد يدفعها إلى تقديم تنازلات في ملفها النووي.